الماء العاشق - رواية أحمد فضل شبلول

 

الماء العاشق

رواية 

أحمد فضل شبلول 

السردُ صهر الحُلمِ بالواقع !

بقلم: عذاب الركابي
" الحُلمُ مصدرُ خيالٍ مُتحرّر " – آندريه بريتون!
"كلّ شيءٍ عبارة عن سيرةٍ ذاتيةٍ، لكنْ في الوقتِ نفسهِ، فأنا أغيّرُ كلّ التفاصيلِ، عندما أكتبُ عملاً روائياً " – هاروكي موراكامي!
رواية "الماء العاشق" *.. فسيفساءُ إبداعيّة!
خليطٌ بديعٌ في صورةِ النثر والشعر معاً، من الحُلمِ، والواقع، والتّاريخ، والأسطورة، والفانتازيا fantasia، والعجائبيّ، كيمياء سردٍ narrativ يمتلك سلطة احتواء كلّ فنون الكتابة، ونسيجُ بوحٍ cofidence مضنٍ للذاتِ الباحثة في فسفور الحروفِ عن عطرِ ذاتها.
رواية "الماء العاشق" نوعٌ من القصّصِ الحُلميّ ..!
والحُلمُ في السردِ، فعلُ مخيلةٍ طازجة وقد "تحرّرت من رقابةِ العقلِ، ومن ثمّ التشبه بالواقع" – حسب تعبير ميلان كونديرا .. وشعور الكاتب – السارد – الناص textor بإدخال الحُلمِ، يعطي الخيال – صوت الجرأة – سلطة أكبر في الرواية، وبالذات الرواية الحُلمية، الفانتازية، والعجائبية معاً، مثل رواية "الماء العاشق"!
"الماءُ أصلُ الكونِ" – طاليس THALES
وفي الرواية الماءُ وحيّ وإيحاء، ولادة وحياة، بعثٌ ونشور، وقصيدة بقافية ملائكية الإيقاع، يُمكن ترجمتها إلى كلّ لغات العالمِ، ترتّبُ ما تبعثر من جزيئات الكون، وتضيف طعماً إلى الأنهار وما في رحمِ السحبِ الممطرة .. والماءُ مترجمٌ ماهرٌ لأحاسيس ومشاعر الراوي – السارد!
الماءُ المُرادفُ للحياة، وكينونة الوجود، بمرجعيتهِ الدينية، وحسب النصّ القرآني المُقدّس: "وخلقنا من الماءِ كلّ شيءٍ حيّ"!
الكاتبُ – الراوي - الساردُ يؤنسنُ humanism الماءَ، كواحدٍ من مكوناتِ الطبيعة، نبض الحياة، وشريان الوجود، ونغمة الكون، وهو في لحظةِ تماهٍ مع الإنسان كمكونٍ من مكونات الطبيعة أيضاً .. وأنسنة الأشياء، ومكونات الطبيعة والكون حافلٌ بها الأدب والسرد والشعر، والكاتب – الروائي وهو يُؤنسن الماء، يُذكّر ببطلِ "هرمان هسّه" في رائعته "بيتر كامينتسند" وهو يُؤنسنُ "النبيذ":
"ولمسني النبيذُ الحلوُ بيدهِ الناعمة النسائية، فأصابَ أعضائي بالتعبِ اللطيف، وساقَ روحي الضال إلى بلدِ الأحلام الجميلة، ضيفاً عليها" – ص132.
وفي "الماء العاشق" أيضاً: "جاءَ بنفسهِ، بأكسجينه ونتروجينه، فقد زوجتهما لبعضهما البعض، ولا انفصام بينهما منذ الأزل وحتى الأبد، وأنا أريد الحياة أن تستمرَ، لذا رحبتُ بهِ فورَ وصولهِ وانسيابهِ" – ص7.
والماءُ – بفلسفة السرد – يكتبُ التاريخ (السردُ المرجعي)، بل ويضع أحداث التاريخ بأبجدية مائية، ترفض أي رواية أرضية – ترابية لها، وتُقرأ في كلّ اللغات، وعلى امتداد الأزمان والحقب، مادامت هناك رئة للإنسان الحالم تتنفس.
الماءُ نبضُ حياةٍ، وأداة مقاومة! سبقَ الإنسانَ والأرضَ والترابَ والدخانَ، وأرّخَ لهُ عرشُ الخالق العظيم حين استوى عليه .. والحياة سبقت الموت الذي لمْ يُعرفْ إلا بعدَ أن: "ارتفع صوتُ الإنسان، وجالت خطاهُ في بطن الأرض" – ص13 .. وقبل أن توجد المقابر، حين قتلَ الإنسانُ أخاهُ الإنسان، وتعلّم نسلُ "قابيل" الدفنَ من غُراب ..!
وعبرَ النصّ القرآني الفاتن في بلاغتهِ، ومجازهِ، واستعاراته، فأنَّ الماء يُؤبجدُ للثورة والعصيان، وذاكرة الأنهار والبحار والسيول تقولُ أكثر من ذلك، فكان جزاء العاصي الأرضَ، التراب، الدخان، الفراغ، وكان لـ "آدم" و"إبليس" كلّ نصيبه من ذلك، وكلاهما بفقهِ النصّ المقدّس قد نالا جزاءهما، "آدم" فضّل الشجرة، و"إبليس" رفض الطاعة، ولحظة صراع الماء والتراب في جسدِ أبينا "آدم" فاز التراب، وظل الماء بكاملِ قدسيته، وأمواجهُ كرنفالات حياة، وضوء وجود: "جسدُ آدم كان أغلبه مائياً، قبل أن يقترب من الشجرة، بمجرد اقترابه، أخذ جسدهُ يتحولُ إلى تراب" – ص15.
"لا تفحصُ الرواية الواقعَ، بل الوجود" – ميلان كونديرا / ثلاثية الرواية – ص51.
وللماء حكاية .. !!
و"الحكاية .. الحكاية أهمّ شيء على الإطلاق" – هنري جيمس!
باعث كلّ شيءٍ حيّ .. وإلى الماء "المني" صانع البشر والكائنات، لحظة يقظة الجسد، وهو يمارس أعلى سلطة فيه، "الماء" بطعمٍ ولونٍ لا يتغيّر، و"المني" بطعم الإنسان المتغيّر، وكلاهما صانعا الشهوة، الأول شهوة الحياة، والثاني شهوة الجسد – اللذة، فاتح الشهية للمزيد من الحياة والاستمرار، أعلى سلطة في الجسد – حسب فلاسفة العصر .. ثمرة "الماء العاشق" الحياة .. ومن هذا الماء السحري إلى الشبيه بالماء "العرق"، الأول صانع البهجة والحياة، والثاني المقيت، يفرزهُ الجسم، معكر لصفو الحياة .. وتلك بداية الحكاية في "الماء العاشق" .. حكاية الماء .. العطر .. الحُلم .. و"هدى إسماعيل" – ضمير الرواية، وهو من قماش الفصول .
وفي بورتريه يرسمهُ الكاتب – الراوي بكلّ ألوان الحبّ والمعاناة معاً، لـ "هدى إسماعيل" – الحبيبة، مَن حاورها القلب والعقل معاً بلا كلمات، وصنعا لها بيتاً مخملياً من عطر الخيال وفستق الحلم: "بعدَ خروجها من الحمام تهفهف رائحة جميلة، لاتلبث أن تنقلبَ إلى رائحة كريهة مثل رائحة البيض الفاسد، فيصيبها التوتّر والعصبية، لعدم وجود علاجٍ لرائحتها" – ص23.
ومن "الماء" الذي حُرمَ منهُ "إبليس"، وتوسّل طعمهُ الساحر "آدمُ" عقوبة عصيانهما أوامر الخالق العظيم، إلى ماء "كليوباترا" – عطرها الذي تماهى في ذاكرة الرواي وعطر التاريخ، فكان حضور حروفه وشخوصه من الأهمية كما الماء، وكما يُنبيء بهِ عطرُ – كليوباترا من جمال التاريخ ولحظات العشق فيه .. و"هدى إسماعيل" في رؤى وأحلام الراوي إلهة عشق وجمال، أنثى حسناء، وهو مَن امتلكها إلى الأبد، بلْ إلى ما بعد الأبد، لها حضورها الملائكي الذي لا يختلف عن حضور ملكة جمال الكون – كليوباترا، بل هي امتدادها، حسب ذاكرة - الماء العاشق: "هلْ هذهِ الزجاجة من آثار كليوباترا؟ هلْ كانت تتعطر بها؟ أخذتُ (هدى) بين أحضاني، وقلتُ لها يبدو أنَّ هذا هوَ العلاجُ الذي جئنا من أجله! " – ص26.
"يتركُ الرجلُ أباهُ وأمّهُ، ويلتصقُ بامرأتهِ، ويكونان جسداً واحداً" – (سِفر التكوين 2: 24)!
وبينَ الشعر والعطر والماء إغواءُ أنثى و"لعبة الإغواء تضيفُ قليلاً من النُكهة إلى الحياة" – كما يقولُ باولوكويلهو .. لحظات عشقٍ في اللازمن، موسيقى حياة الحياة، حُلم الحُلمِ، وحقيقة الحقيقة، حين يحكمُ الماءُ – العطرُ، ويستأسدُ إغواءُ الأنثى، وهي تؤنث الفضاء والمكان، وتلوّن اللحظات بعطر جسدٍ جديدٍ، سطى سلمياً على جسد – كليوباترا، وتمكنَ من ليّ عنقِ التاريخ، وهو يأمرهُ، بل يفرضُ على قريحة رواتهِ وصفحاته حروفاً فسفورها وحبرها يغيّرانِ العالم، في جملٍ رشاقتها وبلاغتها من رشاقة وبلاغة الماء والعطر – الحياة: "أنتِ رائحتك أزكى من كلّ الروائح التي شممتُها طوال حياتي، مدتْ لي شفتيها، فقبلتها قُبلة طويلة" – ص35.
. الماءُ – العطرُ لحظة تجلٍ .. وعشقٍ بلا حدود!!
"هدى إسماعيل" بعدَ وضوئها بعطر – كليوباترا، فاقتها جمالاً وحضوراً، وزحف عطر الجمال هذا لا ليمتزج بنسيج ذاكرة الراوي، ويعيد ترتيبها فحسب، بل يسرق ظل وطيف "إيزيس" التي سجدَ لها قدماء المصريين، وهم يستنشقون عطرها، وتداهمهم أنوثتها الطاغية، وهي أكثر من تمرين ِجمال ٍوفتنةٍ للعالم والكونِ والحياةِ: "تخيلي يا هدى إنك بعد أن تضعي قطرة من العطر الذي في الزجاجة، تصبحين الربة (إيزيس)، ويسجد لكِ المصريون" – ص45.
وسحرُ الماء – العطر، عبر الحُلم الآسر، يسافرُ وتذكرة سفرهِ، دفقة العشق في الروح الحالمة، وهي تعالج بالعطر تشظيها، من مرسي مطروح حيث طيف ملكة الجمال – كليوباترا إلى الإسكندرية و"بئر مسعود" .. إلى بيروت، و"مغارة جعيتا": "رجلٌ وحيدٌ في العالم هو الذي يستطيع فتحها دونَ أن تسقط قطرة عطرٍ على الأرض، ودون أن يسقط فتيت الفلين بداخلها ..
- أينَ هذا الرجلُ؟
- في مغارة جعيتا ببيروت .. هلْ تأتين معي؟" – ص52.
ولأنَّ العواطفَ لا سلطانَ عليها، وأنَّ الحبَّ هو كلّ شيء، فإنَّ "هدى إسماعيل" و"عمر ياسين" فارسا العشق، ولحظات بين الخيال والحقيقة، وبين الواقع والحُلم .. تُرى أهو حبّ بكل طقوس صلواته أمْ غرام وإعجاب متبادل أمْ تعاطف؟ هو كلّ ذلك ..!! تتوّجهُ وليمة مشاعر وأحاسيس متبادلة، والعطر يفصلُ في الحديث .. وهو الحكم الفيصلُ: "هلْ يرقى هذا التعاطف إلى مرتبة الحبّ والعشق، خاصة بعدَ هذه الرغبة التي اجتاحتنا في مرسي مطروح؟ " – ص58.
. التاريخُ في "الماء العاشق" يتكلمُ بما بعدَ الكلمات .. ويُؤرّخ ما بعدَ الخيال!
ولم يعُدْ "كابوساً يجثمُ على أمخاخ الأحياء" برؤى ماركس، ولا "السطوة الرهيبة للهراء والمصادفة" بفلسفة نيتشه، بلْ رواية وراوٍ، سارد ومسرود، والراوي – الكاتب يربضُ في إيقاع حروفه، ربما ليستفيقَ منهُ على طريقة جيمس جويس في "عوليس"، وجملهُ وحروفه تعاند الأزل، وهي ببلاغة الأبد، حينما تفيضُ كليوباترا الجمال بعطرها الباذخ في جذبهِ، إذ كل "رشة عطرٍ" تقابلها "قطعة أرض" و"سلطان" هدية "إنطونيو" لأنثاهُ وفاتنته، ترياق الحياة – كليوباترا .
والتّاريخُ يكتبُ، ولكن هذهِ المرة بقطرات ورشات العطر، ولا يتوانى عن كتابة هذا الذهول، لحظة اختراق الزمن الساكن، وتحريك مفاصله المعطلة، حين يتفوق "عطرُ – كليوباترا" على سلطة وسحر "فينوس" و"إيزيس"، ليبدأ زمن العطر – المعجزة، وهو يرتّبُ ما بقي من فوضى العلاقات في العالم، ويُموسق ما غاب من حقلٍ مشمسٍ في الكون: "إنهُ أغلى عطرٍ في العالم على مدى تاريخه الطويل، والأكثر تأثيراً حتى الآن، (فينوس) و(إيزيس) وملكات جمال العالم، وشركات العطور في باريس ولندن ونيويورك، لم يتوصلوا إلى تركيبة هذا العطر الذي عثرتم عليهِ" – ص65.
"الماءُ العاشقُ لمْ يكذبْ عليَّ" – الرواية ص71.
يفيضُ السردُ narrativ ببلاغتهِ الشعرية، والكاتب - السارد يلهو بالاستعارات، والكتابة لعبة مجاز وكلمات .. يتفجرُ بوح confidence الراوي نهراً كرستالياً من اللذة والشهوة والجمال، وقد بدا الكون المنغّم بطيف كليوباترا، كله عطراً لا مثيل لهُ، مكهرباً بسحر أنثى عبقرية الإغواء، ويتماهى الإثنان، ووفق حكمة الرواية، لها سلطتان، سلطة العطر، وهي تفيض بقوانين الجمال والحياة، وسلطة الأنثى وهي تعرّفُ الحياة، شهوةً ولذة وإغواء، أصل النكهة في الحياة.
يقول إبراهيم الكوني في "موسم تقاسم الأرض": "المرأة وحدها تملكُ هذا الكنز الذي لا يُقدّرُ بثمنٍ، هذا السحر الذي يصرعُ حتى الآلهة"!
والماءُ العاشقُ لا يكذبُ .. وحديثهُ الخليط بالفرح الصوفي وشمٌ في الروح!
ووفق الماء، وهو بهيبة المقدّس، وبحكم سحر العطر وعبقهِ الجاذبِ، وبلاغة السرد المتقن، تتحوّلُ بطلة الرواية، وإحدى الشخصيات الرئيسة، حبيبة الراوي – هدى إسماعيل من "فتاة عنفصة" – المرأة النتنة الريح، و"الفشوش" – التي تخرج منها ريح أثناء الجماع إلى "فتاة بهنانة" – طيبة النفس والريح، وتصبح الأنثى الترياق وعطرها عنوان المكان، والحديث الذي يسمو في بلاغته على أيّ حديثٍ، هي "فينوس" و"إيزيس" و"كليوباترا" أخرى: "إنّها تفورُ عطراً، وتفوحُ مسكاً وطيباً، كأنها تبخرت ليلاً بالعود، فسطعت رائحتها، وانتشرت هكذا بالنهار" – ص78.
"هدى إسماعيل" كليوباترا جديدة، في الحُلمِ والواقع، في الحقيقة والخيال معاً، جمال يدركهُ القلب والعقل، "شطآن اللانهاية" – بتعبير دستوفسكي .. سكنُ الراوي الباذخ في عطرهِ ودفئه وشمسهِ، هي الأنثى مانحة الحياة – هدى إسماعيل نفسها التي تعدّدتِ الأوصافُ التي تحط من أنوثتها وإنسانيتها، تارة كانت "الوذرة" – المرأة الكريهة الرائحة، و"الصمكمك" – الخبيثة الريح، وتارة أخرى "الزخماء" – المنتنة الرائحة .. وإلى غيرها من صفات القبح .. وبترتيل آيات العطر، ومزامير الماء، والصلاة في محراب الجمال، أصبحت "هدى إسماعيل" كليوباترا أخرى ـ فارسة أحلام "إنطونيو الجديد الراوي" عمر ياسين: "وتصبح كليوباترا الجديدة التي تسكن في منطقة كليوباترا حمامات بالإسكندرية، ويا لها من مصادفة عجيبة ..!
هلْ روح كليوباترا السابقة البطلمية، ابنة بطليموس الثاني عشر حلّت في روح هدى إسماعيل الإسكندرانية، بعدَ أن تعطرت بعطرها ؟" – ص83.
"كلّ روايةٍ في أحسن تعريفاتها سيرة ذاتية" – أناتول فرانس!
والكاتب – الراوي والمرضُ بحُبِّ المكان ..!!
المكانُ بوصفهِ "منظومة سيمولوجية لها لغتها المنمطة، المثقلة بقيم جمعية فاعلة في الـ "أنا"، ومكيفة لها " .. والراوي – الذات الكاتبة وبوح بمفردات النستولوجيا nostalagia وتامّل الفضاء السكندري ماضياً وحاضراً، التامّل الحُلمي الممغنط بحنين الذات وتعلقها الدائم بالمكان، بلْ الذات وهي تعلن عن إصابتها البليغة بحبّ المكان، و"بئر مسعود" مصدرُ الإيحاء .. ولا شيء غير الإيحاءات ..!
يقولُ فرلين في واحدةٍ من قصائده وشذراته الجميلة:
"لأنّنا مازلنا نحبذُ الإيحاء،
لا نحبُّ اللونَ، لا شيء غير الإيحاءات!
آهِ الإيحاءات هي اليقينُ الوحيد،
القدرة على الحُلمِ، والناي في البوق"!
والراوي وهو يربضُ في إيقاع مكانٍ موحٍ، لا يراهُ فحسب بلْ يسمعهُ في الآن، وحتى نهاية الزمان أوركسترا كونية، تسطو على الكثير من إيقاعات "موتزارت" و"بيتهوفن": "ما يميزُ شقتي – التي ورثتها عن والدي – أنها تقعُ أمام بئر مسعود مباشرة، وفي مثل هذا الجوّ بعدَ رحيل المصيفين، يحلو لي أن أجلس على حافة البئر، أتأمل مياه البحر تجري في عمقهِ قادمة من البحر إلى البئر، عائدة إليه" – ص94.
"أستطيعُ استخدام أصواتٍ متعدّدة، أشخاص، أساليب حياة، وأنا استمتعُ بذلك، وفي الوقتِ نفسه هو نوعٌ من التدريبِ بالنسبةِ لي" – هاروكي موراكامي!
والكاتبُ هو أسلوبه، ونصّهُ - ذاتهُ الناطقة، وفي جنوحِ خيالٍ منتجٍ، وذبذبات أصابع مكهربة بالكلمات البركانية، تتعدّدُ أنغامُ قريحته بين الحاضر وسلطة العطر والحبّ والجمال، وبين الماضي وسلطة التاريخ الناطق بمفردات قوانين "الحاكم بأمر الله"، وأسلوبه في الحكم، ونوع العقوبات التي تُتّخذ بحقّ الجناة، وبين سحر الأسطورة في حكاية "مسعود" وبئرهِ وقد تعدّدت واختلفت فيها الروايات، في أبجدية بين الحقيقة والوهم، ليظل "بئر مسعود" بفقهِ السرد، رمزاً سكندرياً، مصدر إيحاء allusion وتأمّل جمال وهيبة المكان، تضيئهُ بعطرها الملائكيّ "أم الماء" التي عمّدت "كليوباترا" ملكة ًعلى مصر، وينتشرُ عطرها الباذخ في الشهوة واللذة، الموصول بعطر الأنثى "هدى إسماعيل"- ضمير السرد:
"ولكن لمْ يعلم أحدٌ أنَّ في هذا البئر سكنت أمّ الماء وبناتها، وامتدت قاعتها الرئيسة في قصرها حتى أسفل صخرة ميامي، وأنَّ (كليوباترا) جاءت هنا، وعمدتها (أمّ الماء)، لتكونَ ملكة ًعلى مصرَ" – ص97.
رواية "الماء العاشق" فانتازية fantasia وحسب الروائي – أرنستو ساباتو: "فإنّ الرواية الفانتازية لا تفتقدُ جذورها الواقعية"، والشاعرُ – الروائي أحمد فضل شبلول لحظة صهرَ الحُلمَ بالواقع، والخيال بالحقيقة !!
أسلوب "كافكا" ومن بعده السرياليون، لعبة خيالٍ ابتكاريّ، بأدوات الفانتازيا fantasia الشائقة، والتاريخُ وهوَ بتقنية السرد، تراوحُ جملهُ بين الحُلمِ والواقع أيضاً .. والأسطورة عبقرية أسلوب ممتع، وهي تأتي كـ "مُقبّل" وفاتح الشهية للقراءة التأملية والبعيدة والفاحصة close readingحيث تتعدد حكايات "مسعود" وقصّته مع "أمّ الماء" والحوريات، ولقائه بالصوفيّ "الشيخ بشر الجوهري" .. في أسلوب تشويق وجذب، مفضٍ إلى المزيد من الخيال المنتج: "عرفَ (بشر الجوهري) أنَّ هذا الأنسي اسمهُ (مسعود)، وكان يعيش سعيداً مع (أم الماء) أو جنية البحر، إلى أن حدث خلاف بينهما بعدَ أن أحبَّ (مسعود) إحدى الجنيات من بناتها، عندها قررت الجنية الكبرى طرد (مسعود) من عالم الماء والبحار والشعاب والمرجان، وعودته إلى عالم الأرض والأنس" – ص105.
ومن أسطورة "بئر مسعود" و"الشيخ بشر الجوهري" بكل ما فيها من خيالٍ شائق، وفانتازيا عالية .. إلى أسطورة – كليوباترا، وهي بحكمة الرواية لمْ تمتْ، بلْ توحدت وتماهت وأسرار الماء، وسحر جمال الحوريات، وهي صانعة عطرها الذي تركت زجاجاتٍ منهُ في حمامها بمرسي مطروح، وفي أماكن أخرى وطأتها قدماها البلوريتان، وهوَ هبة الربة "إيزيس"، وهو العطر الذي عمّق العشق والحبّ، وأسّسَ للذةِ والشهوة في روح وجسدِ "أنطونيوس"، وهوَ يكافأها على ذلك، بمنحها أرضاً وسلطاناً جديداً مع كلّ رشة عطرٍ: "كانت مملكتي تزدادُ، ورقعة حُلمي تتسعُ مع كلّ رشة عطرٍ، كنتُ أكتبُ بالمسك على صدر إنطونيو، ويكتبُ هو بالعنبر القُبلات على خدّي وشفتيّ، كانَ يُودعني قلبَهُ بكلّ أشواقه وحُبّه، وأودعهُ خدّي بكلّ صفائهِ وحمرتهِ وحرارتهِ" – ص110.
"أحاولُ أن أشيّد شيئاً يشبهُ الحُلمَ، ليسَ باستطاعتك أن تخرجَ من الحُلمِ، أنت فقط تستمر، في الرواية المرء (الكاتب) يضعُ حُلماً في اليقظة" – جونثان فرانز!
الكاتب – الراوي رحلة في الحُلمِ، بطريقة الإسراء المائيّ، من الإسكندرية و"بئر مسعود" إلى بيروت و"مغارة جعيتا"، وصحبة حورية البحر، لفتح زجاجة العطر، وتنفيذ العقد مع الشركة الفرنسية .. حُلمٌ .. وفانتازيا .. وعجائبي، قريبة كثيراً من فضاءات – ألف ليلة وليلة الساحرة .. ولغة الرواي الحالم هي جسدهُ الحي الذي لا يتوقفُ عن النموّ، ينطقهُ، ويُحركهُ، ويلعبُ في رأسهِ – حسب علماء عنف اللغة .. يٌقرأ السردُ narrative سِفراً شعرياً – نثراً راقياً، بإيقاع المزامير، وجوهر الجمال فيه هذه الدفقات من الجذب والدهشة، ومصدرها سحر حكي ممتع وجاذب، وكلمات فاقت عدد المشاعر والأحاسيس: "فجأةً ظهرَ وجه امرأةٍ جميلة، يحيط به شعرٌ طويل، شديدُ النعومة، وترتدي طحالب شقراء مضيئة، هل هي إحدى جنيات البحر؟
قالت
- ما الذي أتى بكما إلىنا أيّها الأنسيّ، وأيّتها الأنسية؟
- نحنُ في طريقنا إلى مدينة اسمها بيروت .. !" – ص128.
ينتقلُ "عمر" و"هدى إسماعيل" في إسرائهما المائي، ورحلتهما المكوكية من الواقعي – الحُلمي إلى الفانتازي وإلى العجائبي، ليبدو السرد، ببراعة الكاتب نقلة شعرية على ضوء الحُلمِ، من نصّ مكتوب ومقروء إلى نصّ بصري حدسي، وطبقاً لتقنية نثر – جوستاف لوكليزيو في رائعته "الباحث عن الذهب": أحاولُ أنْ أكتبَ بما يُمكن أنْ أحوّل الأشياء الصامتة إلى أشياء ناطقة .. وأجعل الأشياء تتكلم، ليس فقط الكلام، ولكن بلغةٍ خاصة" .. صورة سردية ناطقة!!
والراوي – الكاتب حسب رؤى – جوزيف كونراد أيضاً: "فأنَّ مهمتي التي أحاولُ الاضطلاع بها، هي أن أجعلكم ترون، تلكَ هي مهمتي"!
عبر نصّ سردي فسيفسائي، يمتلك سلطة الاحتواء، خطاب وإيحاء allusion في الآن، من الشعر إلى النثر البليغ إلى التشكيل إلى السينما إلى الدراما، إلى الرمز والغرائبية، كلّ ذلكَ نقلٌ حيّ ليوم الإسراء المائيّ: "كانَ المشهدُ أكثر وضوحًا، جريت لانتزع السوط من يدِ هذا الكائن المائي الذي يشبهُ عجل البحر، ويرتدي طحالب، ويمتلك أسناناً صفراء دميمة، تشبهُ أسنان مصاصي الدماء، فوجيءَ بي، عيناهُ تحولتا إلى قطعتين من الجمر، بكّتا دماءً، لكنهُ سريعاً عندما شاهدَ هدى بجانبي، ترك الفتاة التي كان يضربها بالسوط، وأخذ يحدّق إلى هدى ويشمّ رائحتها" – ص134.
وللعطر وسحرهِ، وكيميائهِ من القوةِ للحفاظ على نبض الحبّ الصادق بين "عمر" و"هدى إسماعيل"، ولا يبدو الحبّ ضميراً مستتراً تقديرهُ الحياة فحسب، بل أقصى درجات الحرية، كما الكتابة، كما القصيدة، كما السرد، كما الصلاة، وكما الإيمان، وصوت إله الحبّ: "صوت يتردّدُ في صدىً لا نهائي، يستولي على مَنْ يسمعهُ، فيعطيه انتشاءً أو ذهولاً" – حسب تعبير إنطونيو تابوكي في رائعته "سيدة ميناء بيم" .. وبينَ "عمر" و"هدى" حبٌّ – صكٌّ صالح للتداول في كلّ بنوك الحياة، ورصيد من المشاعر لا ينفد، ثمرتهُ هذه الملحمة – الحكاية التي يرويها العطر، بكلّ رشةٍ منهُ، وتنقلها عبرَ شريانها الطاعن في الحياة والأزل "أمّ الماء" إلى الآتي من البشر والكائنات، بل ولكلّ مكونٍ من مكونات الطبيعة، وكل شبرٍ في الكون بكلّ رحابته: "أفضّلُ أنْ أموتَ عن أن أرى قطرة واحدة تسيلُ من دمكِ، كوني مطمئنة" – ص136.
حبٌّ يتمتعُ بقوةٍ بلا حدود، تسمّى الخيال ..!!
و"عمر" و"هدى" في تسونامي مشاعر، يعيدان علينا قصّة حبّ "أورفيوس" وحبيبته "يوريدس" الأسطوريّة، اللذين إكتويا بنار الحبّ، ولا يذكرانِ بنهايتهما الحزينة، حين بغي عليهما الدهرُ بالمصائب والأحزان، فتحولت "يوريدس" إلى عمود من الملح، كما نصّت عليه الأسطورة!
. الوطنُ كلمة ذاتُ كبرياء !
ولا بدّ للرحلة المكوكية، وطقوس الإسراء المائي في "الماء العاشق" أنْ يشتملَ على فصلٍ بأحرف وجمل وعبارات الشموخ والانتماء للوطن – المساحة في القلب، وليس جغرافيا وشجراً وأنهاراً وأناساً وحسب، يجسدهُ وقوع الراوي "عمر" وحبيبته "هدى إسماعيل" خطأً في قبضة قوات العدوّ الإسرائيلية، متهمين بأنهما إرهابيان، وأنهما يؤلفان - باعترافهما - أسطورة، كما بلدهما القائمة على الأساطير – بقراءة فكر العدوّ، لكنّ الوطن يجيب بلسان ابنه "عمر" بأنهُ مَن حطّمَ إسطورة إسرائيل، والجيش القويّ مجازاً، في معارك أكتوبر المجيدة التي خرجَ منها الإسرائليون خاسرين قابضين على ترابِ هزيمتهم وخذلانهم: "لمْ أشأ أنْ أجادله في مقولة (جيشنا القوي) وأذكرهُ بحرب السادس من أكتوبر التي حطمت أسطورة الجيش القوي هذا" – ص143.
و"عمر" المصري وجهاً لوجه أمام "عاتيد بن يامين" التاجر الإسرائيلي، صاحب أكبر شركة عطور في القدس، لقاء ساخن، وحوار ثأري، خلاصة نزيف الماضي والحاضر، سباق ماراثوني في قصائد الفخر وتأكيد الذات، "عمر" يفخرُ ببلدهِ الأسطورة – مصر، تاريخها، وحضارتها، وبطولاتها، وصدق انتمائه لها، و"بن يامين" يحاولُ – يائساً – أن يجدَ سبباً، ليؤكّد أحلام إسرائيل كدولة توسعية طاغية، لها حقّ في أرض مصر، من خلال جدهِ الذي وُلِدَ وعاشَ فيها، وهيهات! .. وحين يأخذ الحوار لغة الاستيلاء والاحتلال والطغيان صفات الصهيونيّ، ودولته الآيلة للزوال، يبدو لـ "عمر" المصري أنَّ كلّ شخصٍ إسرائيلي هو عضوٌّ في "الموساد"، وينتهي الحوار الذي لا نهاية لهُ على صحفِ الواقع، برائحة العطر الذي بدا لـ "عمر" وشركائهِ صفقة مربحة مع "بن يامين":
"ستكونان أسيرين لدينا في تل أبيب، ونبلغ حكومتكما أنّنا عثرنا على جاسوسين مصريين جاءا إلى تل أبيب بصحبة جنيّ عن طريق البحر ..!
- تتحدّث وكأنّكَ تعملُ في جهاز المخابرات الإسرائيلية – الموساد!
- وما أدراكَ أنّني لا أعملُ بهِ " – ص150.
انتهت رحلة الإسراء المائي، بمعراج قدرات "مسعود" إلى الإسكندرية في دقائق معدودات، وقدْ حطّ "بُراقهم" الذهبي الملائكي، بأجنحة الحلم، على صخرة ميامي، محمّلين بالدولارات والياقوت والجنيهات الذهبية، وحتى لحظة الاستقرار على شاطيء "سيدي بشر"، وهما يتبادلان الشوق مع "الماء العاشق"، وهو يبلغهما ضرورة مقابلة "أمّ الماء" و"كليوباترا" معاً فجر اليوم التالي، بعدَ أن كان الخلاص من السجن أو الموت في إسرائيل، هبة جنيّة البحر:
"قال:
الرياح مواتية جدّاً الآنَ، سوف أدعو ربّي، وأسخّر قدراتي لنعبرَ البحر إلى الإسكندرية في دقائق معدوداتٍ.
طارت السفينة، حطّت على صخرة ميامي، اختفى (مسعود) كما ظهرَ، واختفت معهُ السفينة التي كانت تقلنا، أخذنا قارباً من عند الصخرة، وحتى شاطيء سيدي بشر" – ص162.
وفي يومٍ وليلةٍ أضاءهما سحرُ الماءِ والعطر معاً، وباركتهما خطوات الرجل الصالح "مسعود" ونفثات أنفاس حورية البحر، يصبحُ "عمر" وزوجتهُ "هدى إسماعيل" السكندريان من الأثرياء، ولحظة صهر الحُلم بالواقع، إحدى تقنيات السرد العابر للأزمان يعيشان في أفضل سكنٍ، وينعمانِ بأجمل حياة، ولا يصدقان أنهما في عالم فوق الواقع، وحياة فوق الخيال، أرّخت لكل ذلك الملكة – كليوباترا بعطرها الباذخ في سحرهِ وسلطته حتى نهاية الزمان، ولمْ يبقَ أمام "عمر" وشركائهِ إلاّ التفكير الأكثر جدية في تطوير مهمتهم العطرية، مبشرين بتسونامي عطري آخر، حتى لو اقتضى ذلك إسراء مائياً آخر حتى آخر حدود البحر:
"قالَ وليم شكري:
- نحنُ في انتظار عودتك بسلامة الله من السعودية، ومعك الزجاجة الجديدة" – ص175.
."إنَّ وجود كائنات فوق طبيعية أقوى من الجنس البشري من ثوابت الأدب العجائبي" – تودروف (مُدخل إلى الأدب العجائبي) – ص109.
وفي رواية "الماء العاشق" وعلى إيقاعها الفانتازي الباذخ في فضائهِ العجائبيّ الساحر، يُقام الزفاف المائيّ على شرف ملكة الجمال – كليوباترا، ورقص جنية البحر – أمّ الماء، الكلُّ في لحظاتِ تجلٍ وتوهجٍ، الماء والعطر والكون والعالم والحياة، في حالة رقصٍ هستيري، لا يبعث في الأرواح إلاّ المزيد من العمر البهيج والحياة الهانئة، وتؤرّخ ذاكرة الماء التي لا يطالها صدأ النسيان تاريخ هذا الزواج المائي، المبارك بسحر العطر والماء والجمال، حيث تتماهى "الشمس" و"القمر" في كيانٍ واحدٍ، بل كوكب منير واحد على امتداد موسيقى الأزل:
"كأنّنا من رعاياها، أصرّت الملكة كليوباترا على الاحتفال بزواجنا، أبلغني الماء العاشق بموعد حفل الزفاف تحت الماء.
قالت:
- الآنَ أزوّجُ الشمسَ للقمر، والسماءُ شاهدة على ذلك .. ! " – ص182.
. يقولُ الروائي إبراهيم عبدالمجيد في أحد حواراته: "المكان يعطي أبعاداً للشخصية، تجعلها أكثرَ عمقاً .. والمكان يفرضُ سماتٍ أخرى للشخصية، ربما لا يعرفها الإنسانُ نفسهُ، سمات تُغني الشخصية، وتصبغها في بعض الأحيان".
الروائي "عمر ياسين" بطل الرواية، وحكاية التعلق بالمكان – "أصل ولادة الأشياء" – بتعبير غاستون باشلار .. لم يستسلم لإغراءات "عباس النورس" الطامح إلى توسيع ممتلكاته، وفرص بيع ممنوعاته، ولا إلى الإسرائيلي "عاتيد بن يامين" ونواياه في فتح فرع لشركة عطوره في مصر، وهو يعرفُ أنَّ طوب الأرض يكرههُ، ويتقيّأ ظله، ويمقت كل خطوة آثمة مقيتة له، وهو شخص غير مرغوب بهِ حتى من أحطّ المخلوقات "عباس النورس" الذي أظهر وطنية، وانتماء للأرض، في صخب واحتجاج مدهشين، وبحكمة الرواية، هوَ رفض واعٍ لأيّ علاقة مع إسرائيل:
"لا .. مادام فيها إسرائيلي، لن أسيرَ في الموضوع، لا مؤاخذة يا أستاذ عمر، قد أتاجر في بعض الممنوعات كما يفعل الكثيرون، قد أوفّر المتعة لمَن يريدها من الشباب أو الرجال الذين توجد مشاكل زوجية مع زوجاتهم، ولكن أن نبيع أملاكنا وأرضنا للإسرائيليين هذا مرفوض تماماً بالنسبة لي" – ص195.
"شئنا أمْ أبينا فأنَّ السياسة كامنة في نصوصنا" – توني موريسون!
و"عمر" و"هدى" و"شكري" وسفير رحلتهم العطرُ في باريس .. وطعم الماء، وسحر العطر يكشفان أسراراً – أوراقاً مهمة من كتاب السياسة الغامض الجمل والعبارات أحياناً، والعطرُ الحكمُ الفيصل، وفي عبقهِ تبين وجهات النظر السياسية في أنَّ العلاقات المصرية – الفرنسية هي الأقوى من أي دولة أخرى، إسرائيل أو غيرها .. يتدخلُ العطرُ في عبقرية طرحٍ في أنّ السياسة تتغيّر، وهو مقيمٌ أبداً في سلطتهِ العطرية، وعلى كرسيّه الوثيرِ، يحكمُ من دون تاجِ أو صولجان أو حرس وهميين:
"ماذا تقصدين مدام أديل؟
- لا اقصد شيئاً مسيو عمر، ولكن فقط أشيرُ إلى أنَّ العلاقات الفرنسية – المصرية كانت دائماً أقوى من العلاقات الإسرائلية – المصرية" – ص200.
."ليسَ هناك ورقٌ أبيض، هناك حوله موسيقى، مشاعر، رغبات، وذكريات، وحكاية، الأبيض أحياناً هو المؤلّف، هذا الذي يشردُ، ويتعبُ، ويخاف .. " – آندرس نيومان !
الكاتبُ – السارد راوٍ من طراز رفيع .. وهو أصل الحكاية!!
و"ليسَ هناك أيّ فرق بين رواية (حكاية) بضمير المتكلم، وبين سيرة ذاتية" – برؤى فيليب لوجون ..!!
الراوي – الناص textor المسافرُ إلى اللامكان، والعطرُ تذكرة السفر الصالحة مدى الحياة، وهو أيقونة موانيء ومطارات الكون، ومحطات الحياة، من الإسكندرية إلى بيروت إلى باريس ثم إلى السعودية، و"بئر زمزم" وقد تركت ملكة الجمال – كليوباترا- رمز الحضارة المصريّة، فصولاً شائقة من تاريخ وحضارة مصر فوق تلك البقعة من الأرض العربية، قنينة من قناني عطرها الباذخ في سحرهِ الإلهي، ومن مرسي مطروح إلى "بئر مسعود" إلى "مغارة جعيتا" وشيخ المغارة إلى "بئر زمزم" و"عبدالصمد المكي" (أو "القرشي" حسب صحيفة الواقع)، والعطرُ الساحرُ في رحلاتهِ المكوكية، وغزواته السلمية، وهو يبني ممالك سلطته، ويباشر قوانينه، ويدرّب قادة نفوذه وجنده في كلّ الأصقاع، يحكمُ وينتشرُ، ويُؤسّس دولاً وجمهوريات وممالك وإمارات للحبّ واللذة والشهوة .. هو العطرُ وكفى ..! وكليوباترا الشاهدُ الأزلي على الزمان والمكان، وعطرها يُؤرّخُ، وهو الراوي المؤكّد، وتسجّل "الهندسة" وفرضياتها انتصاراً آخر بالعثور على قنينة أخرى من عطر – كليوباترا في مخلفات "بئر زمزم"، بعد كل هذهِ السنين:
"عثرَ أحد الهنود الذين يعملون مع فريق الغربلة على زجاجة لها هيبتها وهيئتها وممتلئة عن آخرها، وتحملُ رائحة نافذة " – ص216.
. و"عمر" و"هدى إسماعيل" والسعودي "عبدالصمد المكيّ" في باريس لتنفيذ عقد عطر – كليوباترا مع الشركة الفرنسيّة، وهو نوعٌ من العطر المُميّز، يفوقُ في سحرهِ نوع العطر الذي يُروّجُ لهُ "بن يامين"، وقد غدا عطر – كليوباترا تحفة العطر الباريسيّ، وثمنهُ فوق الخيال:
"حكينا لـ (أديل) اكتشافنا الجديد، وأخرجت زجاجة العطر، شمتها بقوةٍ، وقالت إنهُ مختلفٌ اختلافاً طفيفاً عن العطر الذي يُروّجُ لهُ (بنيامين) وأطلقَ عليه اسمَهُ" – ص222.
رواية "الماءُ العاشقُ" الرواية المائية – العطرية .. الواقعية – الفانتازية بامتياز ..!
صدى التاريخ، وراويهُ الأمثل بلا كلمات!!
وعطر "كليوباترا"، قد بدا على أجنحة الحُلم، وإيقاع الفانتازيا الراقية، سفيرَ بلدٍ، تاريخ إنسان، ونبض حضارةٍ ضوء شمسها لا يعبأ بتهديد جيوش الأفول والغياب، وقاموس عاشقين بأبجدية لم يعثر على حبرها قدامى البشر ..!!
رواية – الإسراء المائي وطقوسهُ تعاندُ الوقت، من مرسي مطروح إلى الإسكندرية إلى بيروت إلى السعودية، وشيفرة الإسراء جاذبية العطر، وسرُّ الماء، وآية جمالِ حورياته، وعبقرية سحر "أمّ الماء" من مرسى مطروح إلى "بئر مسعود" إلى "بئر زمزم" وضوءُ المعراج شررُ أقدام "البُراق" – الحُلم إلى الإسكندرية، كنز الإيحاء، ودفء وسحر وعشق "الماء العاشق" مصدر الوحي، والشوق إليه على غير العادة، لإقامة مسلة الحبّ الذي تملأ موسيقاهُ المكان:
"عُدنا إلى الإسكندرية، أوحشني الماء العاشق جدّاً، ذهبتُ إلى (بئر مسعود) كثيراً، جلست على حافة البئر، لمْ أجد شيئاً لكنّي سمعت موسيقا تصدحُ في سماء القيعان، أسمعُ صوت مرور الزمان، وأرى شموعاً تضيءُ الممراتِ والأركان" – ص233.
. الشاعرُ – الروائي أحمد فضل شبلول في "الماء العاشق" يكتبُ ويصوّرُ في الآن ..!!
يقولُ ويصنعُ من صداه المُموسق نثراً بديعاً، وسلطتهُ مفردات سطتْ في ليلِ الخيال على حروف القصيدة، يكتبُ برمادِ جسدٍ بتثاءب جملٍ شديدة الإيحاء والرشاقة، كلّما أراد أن يختفي وراء مبدعهِ – سرده، أشارت إلى وجودهِ القصيدة بقوافيها، ويعود على رؤوس أصابع قلبهِ خجِلاً معتذراً .. يحلمُ ويضعُ أبجدية مانحة ماتعة للحُلم .. يختفي قليلاً في الحُلم، ليريح مفرداتِ سردهِ الباذخ في شاعريته poetics ، ويستيقظ على خطى شخصياته وهي في حالة تماثل semmetria مع الأحداث، لتسير الحكاية في اتجاهاتٍ غير متوقعة، ساعياً إلى التشويق.
أحمد فضل شبلول في روايته "الماء العاشق" .. لا يكتبُ سيرة مباشرة صادمة، بلْ يستوحي حياته قصيدة حبٍّ جديدة، فقط ليهدي قارئهُ المفتاح الذهبيّ لغرف الذات الحالمة الجريحة ..!
النثرُ فلسفة الحكاية ..!! والشعر في غنائيته المحبّبة، ومضمونهُ هو الشاعرُ نفسهُ ..! في رواية "الماء العاشق" الحُلمُ والخيال حرية، بل أقصى درجات الحُريّة، وهي أعزّ ممتلكات الكاتب ..!
أحمد فضل شبلول في سرده حالمٌ من طراز رفيع، وهو يختار منطاد نجاته – الكلمات حين يكتبُ ذاتَهُ، أو يتحدّث عنها وإليها في الآن!
و"الحديث عن الذات ليسَ هو التلفظ، وخطاب إنطوائي، بلْ على العكس، هو تأسيس للتواصل بين المؤلّف والقاريء" – حسب تعبير توماس كليرك!
*" الماء العاشق" – رواية – أحمد فضل شبلول – دار غراب للتوزيع والنشر – القاهرة 2018.


السعر75 جنية

ISBN : 978-977-786-124-3



إرسال تعليق

أحدث أقدم