فك الضفيرة - مجموعة قصصية للأديب سمير الفيل

 


ISBN: 978-977-786-213-4


فك الضفيرة

 

كنت أقف وراء لوح زجاج شفاف داخل تلك الصوبة الخالية من البشر . الجو مغبش قليلا ، وأمامي حديقة بها خضرة زاهية ، وزهور قليلة.

هي التي أتت بلا موعد ، كانت بضفيرتين قصيرتين تنسدلان على ظهرها . كانت طويلة القامة لكنني أعلوها بمقدار بوصة أو أكثر. مدت يدها وفتحت الباب المغلق، دخلت.

عرفتني على الفور. كانت صديقة لأختي سلوى. لذلك هزت رأسها في تحية خجلة ، ولطيفة.

 كنت أعرف أنها بلا تجارب ، تحب أن تجلس وحيدة ، تسمع الموسيقى الكلاسيك ، وتهز رأسها ، وهي تعدل موصل الصوت المثبت على أذنيها.

 بالتأكيد لم تسمعني عندما ألقيت عليها التحية : صباح الخير يا شذى.

 ضحكت عيناها لشموس بدت خلف اللوح الزجاجي.

قرأت صباح اليوم كتابا غريبا ،  يقول مؤلفه إن كل إنسان ، لابد أن يصاب بلوثة عقلية ، ولو مرة واحدة في حياته.

 قررت أن أجعل لوثتي اليوم ، بدون أي تأجيل.

اقتربت من شذى ، سألتها : ألم تفكري يوما في فك ضفيرتيك ؟

 قالت ، وهي تخلع سماعتي الصوت عن أذنيها : لم أسمعك جيدا.

 قلت بتردد : أريد أن أفك ضفيرتيك.

 تلون وجهها بخجل ، وخلدت للصمت. انشغلت في التربيت على أغصان شجرة تين بنغالي كانت تسقط من أعلى ،  تكاد أن تمس الأرض ، لتخترق سطحها .

خرجت ، واشتريت من بائع بجلباب شعبي في مدخل الحديقة وردة قرنفل بيضاء : هذه لك.

 سألتني : هدية أم مقابل الجنون الذي يملأ رأسك؟

 خفضت رأسي هذه المرة ، لم أعقب . تركتني أجلس إلى جوارها.

مددت يدي برفق ، ففككت ضفيرتها الأقرب لي ، تركتني أفعل ذلك دون أن يظهر على ملامحها  أي تأثر . ظلت غامضة . لم تعلق ، فقط لمحت عينيها الناعستين ، وقد اغرورقتا بالدموع.

 انتقلت إلى الجهة الأخرى ، بهدوء وبيد غير مهتزة هذه المرة ، فككت ضفيرتها الثانية.

 انسدل شعرها الكثيف على كتفيها ، رأيتها أجمل.

غرد عصفور ، ورأيتها تنطلق خارجة من هذا المكان الذي لم يكن به غيري وغيرها.

 تركت خلفها شذى جميلا ، بقيت متجمدا في مكاني ، لا أعرف كيف أتصرف؟ كنت مجنونا بالفعل :  كيف فعلت ذلك؟

قبل أن تغيب ، وعندما صار بيني وبينها مسافة مائة متر، لوحت لي بيدها ، طار شعرها في الهواء فأزاحته بطرف يدها في سعادة بالغة.

 

 السعر40 جنية

 

 

 

 

إرسال تعليق

أحدث أقدم