عندما سجد إبليس لإبراهيم شلبي بقلم الكاتبة الصحفية اللبنانية مارلين سعاده


 https://www.annahar.com/arabic/culture/%D9%83%D8%AA%D8%A8160%D9%88%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/01092021080748769?fbclid=IwAR0gYOuKj9NGlGsCsT-T7YwzWhmpVevuhiB9zhjeK7UnyhYV99DPfLUAr8k

"عندما سجد إبليس" لابراهيم شلبي: لمن تراه يسجد؟ وهل من خلاص للأرض بعد سجوده؟

المصدر: النهار
مارلين سعاده
غلاف الكتاب.
غلاف الكتاب.

كثرت الكتب التي تحدّثت عن إبليس وسطوته وحضوره الفاعل على هذه الأرض، من خلال شخصيّات تلبّسها فعاشت بين الناس، ونشرت شرورها، وحقّقت مبتغاها متلذّذة بانتصارها على الخير، وبسْط سلطتها حيثما حلّت، متمثّلة بالأخصّ في شخصيّات سياسيّة بارزة عبر التاريخ، قضت على شعوب بأكملها، مستغلّة موقعها في السلطة، وقوّتها العسكريّة، لتفرض وجودها على حساب بقاء الآخر؛ والأمثلة معروفة من جميع الناس وأكثر من أن تحصى.

كما أنّ بعض الروايات تناولت وقائع من حياتنا اليوميّة، مصوِّرةً معاناةَ أبطالها ممّا يُحاك ضدَّهم من شرور، وانتصارهم عليها؛ وأتت نهاياتها مفعمة بالأمل، مؤكّدة أنّ الخير أقوى وأبقى من الشرّ الذي هو عابر ولا يدوم؛ وقد تكون روايتا "البؤساء" و"أحدب نوتردام" للأديب والروائي الفرنسي فيكتور هوغو، والجريمة والعقاب للروائي الروسي فيودور دوستويفيسكي، أو "الرغيف" للروائي اللبناني توفيق يوسف عوّاد، من أكثر الأمثلة شيوعًا في محيطنا العربي، وغيرها من الكتب التي جسّدت انتصار الشر على الخير، كما في مسرحيّة ألبير كامو "سوء التفاهم"، ورواية فرنسوا مورياك "تريز ديكيرو".

بينما أظهرت كتبٌ أُخرى تلازُمَ مسار الخير والشر، كتلازم الليل والنهار، بحيث يظهران بشكل متواتر، فيكون الانتصار في كلّ مرحلة حليف أحدهما ثمّ ينتقل إلى الآخر؛ كما في رواية "زرادوستار نبيّ أهل النار" للكاتب المصري سامح مبروك، الصادرة عن دار الحلم للنشر والتوزيع، 2021، والتي كان لها حضور بارز في مهرجان الشارقة الدولي للكتاب ثمّ في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

إلّا أن الدكتور إبراهيم شلبي في روايته "#عندما سجد إبليس" الصادرة حديثًا عن دار غراب للنشر والتوزيع، طبعة أولى 2021، فيختلف في مقاربته لموضوع حضور الشيطان على الأرض، إذ جاءنا بأثر جامع، ضمّ خلاصة ما ورد عبر التاريخ حول هذه "الشخصيّة"، ليرسمها لنا بطريقة تعكس كلّ ما نُسِبَ إلى إبليس من صفات، أكان من حيث الشكل أم المضمون، لنجدَ أنفسنا أمام مخلوق يكاد يكون حقيقيًّا ملموسًا، مُظهرًا أدقّ تفاصيل الوجه والجسم والتصرّفات! وقد زاده واقعيّة ما ألقاه عليه من صفات بشريّة، وكأنّه واحد منّا يعيش في ظهرانينا، يشعر كما نشعر ويتألّم كما نتألّم، فيغتاظ، ويحقد، وينتقم، ويدبِّر المكائد، ويفرح بنصره، ويعاتب،...

يجعلنا إبراهيم شلبي نرى الشيطان على حقيقته، في كلِّ ما نُسبَ إليه من شرور وكلّ ما سبّبه من ويلات، بل يمنحه فرصة تبرير ذاته، والاعتراف بحقيقته وغاياته ممّا ذكرَتْه الكتب السماويّة عن شخصه، عارضًا علينا أسبابه، مدافعًا عن نفسه وسلاحُه في الدفاع ما يستشهد به من جرائم بشريّة في حقِّ الإنسانيّة على مرّ التاريخ، فيسمّيها بالاسم ويُظهر نتائجها الكارثيّة، مؤكِّدًا أنّ ما نتج عنها يكفي ليحوِّلَ وجه الأرض إلى محيطات من الدماء.

يجعلنا إبراهيم شلبي نتساءل حول من تراه الأكثر شرًّا على الأرض: الشيطان أم الإنسان؟ ذلك أنّ الشيطان في هذا الكتاب يبرِّئ نفسه ممّا تقترفه يد الإنسان من جرائم لا يتصوّرها عقل، وما يضجّ في نفسه من مطامع لا يحدّها فكر، وما يجيش في صدره من أحقاد أساسها أنانيّته ورغبته في السيطرة. ما دفع الدكتور مصطفَى مَحْمُود الذي استشهد به الكاتب، يقول: "لو لم يكنْ إِبلِيس موجودًا لأوْجَدْنَاه... لأنَّنَا لا نستطيعُ أنْ نَعِيْشَ دونَ أنْ نَمْسَحَ ذُنُوبَنا في شبحٍ نلْعَنُه كُلَّ يومٍ ونرجُمُه؛ لأنَّه غَرَّرَ بِنَا."

في الكتاب يسرد لنا إبراهيم شلبي سيرة الشيطان أو "ملاك النور السَّاقط بعدما كان اسمه عزازيل أي القوي بالله [الذي]أصبح إِبْلِيْس، أيْ اليائسَ من رحمة الله." (ص 8) وقد صوّره لنا في مشهديّة جعلته يتحرّك أمامنا كأيّ بشريٍّ، مفصحًا عن كلّ ما يعتمل  في صدره من مشاعر تؤجّجها آراء الناس فيه، واتّهامهم الدائم له بأنّه وراء كلّ شرٍّ يقع على الأرض، مستندًا في ما يرويه إلى أقوال وأحداث اقتبس تفاصيلها ممّا جاء ذكره في آيات مختارةٍ من القرآن الكريم والكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث (حزقيال 28 :12-17)، (متى 12: 24). كما من كتاباتِ من سبقه ممّن تطرّقوا إلى هذاالموضوع، منهم: نجيب محفوظ  في كتابه "الشَّيْطَانُ يَعِظُ"، والدكتور مصطفى محمود، وعزِّ الدين المقدسي في كتابه "تفليس إِبْلِيْس"... بانيًا حواراته عليها.

ومع أنّ صورة إبليس بدت لنا في بداية السرد كصورة أيّ إنسان معاصر؛إلّا أنّ الكاتب لا يلبث أن يعلنَ عن صورته الحقيقيّة، وذلك في بداية القسم الثاني، حين "وقفَ إِبْلِيْسُ أمام المرآةِ يضعُ عَبَاءته القُرْمزيّة على كتفيه. نظرَ حزينًا إلى صورةِ المسخِ المنعكسةِ أمامه بقرنَيه البارزَين ولحيتِه المُدَبَّبَةِ وعينيه الحمراوين. وتأوَّه ألمًا وهو ينظرُ إلى ذيلِه الطَّوِيلِ وساقيه المعوجَّتين المنتهيتين بحافرَي حِمار، وطافت بذاكرته صورتُه الأولى بجسمه النُّورَانِّي وعينيه المشعتَّين بنور الإيمان." (ص 14- 15)

يدخل الكاتب بعدها في سرد تفاصيل العلاقة بين إبليس وبني البشر، معلنًا عن مقاصده بشكل صريح ومن دون مواربة، فهو لا يبرّئ رجال الدين التابعين لكلّ الديانات المعروفة، من الكوارث والنكبات التي تعاني منها الأرض؛ حتّى أنّه جعلهم في طليعة الملبّين للدعوة التي وجّهها إليهم إبليس للاجتماع، وكأنّهم الأكثر قربًا منه، أو من الأتباع المخلصين له؛ لقد سمّاهم صراحة "شياطينِ الإنسِ"، من دون أن يستثنيَ أحدًا منهم، حتّى من نظنّهم يعملون لما فيه خير الإنسان، فهم من كلّ الفئات والطبقات والمشارب، "من بينهم ملوكٌ وأمراء ورؤساء دولٍ وساسةٌ ورجالُ دولةٍ كبار وقادة...كما كان هناك وفدٌ كبيرٌ من رِجال الدِّين الإسلامي والمسيحي واليهودي ورهبانٌ بُوذيون وهندوسٌ... وزعماء بعض المنظّمات السِّرية وجمعيّاتُ المجتمعِ المدنِّي وحقوق الإنسان..."(ص 17)، مؤكِّدًا أنّهم السبب في كلّ ما يصيب البشر من رزايا، مع أنّ إبليس يرى وفق تصوُّره أنّه "لو تشابكتْ أيادي رجالِ الأديان هكذا لإعلاءِ كلمةِ اللهِ ورسالاتِه، لساد الخيرُ والسَّلام في الأرض ولهُزمتُ أنا وشياطيني شرَّ هزيمةٍ." (ص 20)

"عندما سجد إبليس"، كتاب يقف على كلّ الشرور التي اقترفها البشر، من بداية التكوين حتّى يومنا الحاضر، بحيث يشكّل سجلًّا يضمّ كلّ ما جرى وما زال يجري على الأرض من فظائع، يخطّط لها بشريّون وتُنسب إلى الشيطان الذي يعلن هنا أنّه لم يصل في ابتكاراته الشيطانيّة إلى ما وصل إليه فكر الإنسان الذي تفوّق عليه، مظهرًا ما تغرق فيه الأرض من شذوذ وكفر، من دون أن يهملَ ذكر الفظائع التي تُقترَف كلّ يوم، وليس آخرها ما تقوم به داعش، حيث "أعلن شيطان داعشٍ عن إضافةٍ فنّيّةٍ بديعةٍ، أعادت بها داعش أمجادَ عصور العبيد والإماء القديمة للعراق والشَّامِ؛ ليشاهدَ لقطةً لسوق بيع النِّسَاء السَّبَايا في الموصل." (ص 50) هذا المشهد الذي دفع  إِبْلِيْس للضحك، قائلًا: "البشرُ الآن لديهم من الشَّرِّ الدَّاخِليِّ ما يكفي لطمسِ أيِّ بصيصِ نُورٍ في قلبِ أو ضميرِ." (ص 55) فـ"الكِبْرُ والطَّمَعُ والحسدُ على رأس الموبقات التي تعصف بهم." (ص 81)

عمَدَ إبراهيم شلبي إلى إدخال النبي نوح ضمن المشهد، ليشكّل الشخصيّة الرئيسة الثانية في الكتاب، وذلك لما يحمله من رمزيّة؛ فإن كان الله أنقذه وأهل بيته من الطوفان لبرارته، لن يجد الشيطان أفضل منه ليشهد على شرور أهل الأرض ما بعد الطوفان، ويؤكِّدَ له أنّ الفساد متأصّلٌ فيهم. وهكذا أخذ إبليس بيد نوح متنقِّلًا معه داخل قصره يعرض عليه ما حفظه من لوحات تجسّد ما ارتكبه البشرمن جرائم على مرّ التاريخ، فـ"سار نوح كالمذهول وهو يشهد فظائع البشريّة بأيدي البشريّة." (ص 86) وإبليس إلى جانبه يؤكّد براءته ممّا ينسبه البشر له "قَائِلًا لنوحٍ: "هؤلاء البشر يُدهشونني بكمِّ الشَّرِّ الذي تحتوي عليه قلوبهم. لا أُنْكر دوري في الوسوسة إليهم وتزييني لهم ما يفعلونه، ولكن ما تمادوا فيه من عنف وفُجْرٍ وجبروتٍ فهذا مِن صُنعهم وليس لي دورٌ فيه." (ص 91) ويتابع إِبْلِيْسُ وقد ارتسمت على وجهه ابْتِسَامَةٌ مريرة، قائلًا: "مِن سخـرية القدر أنَّ أغلب الدّم الذي سال على الأرض عبر العصور قد سال باسم الله وتحت رايات أديانه.لن تجد دمًا سال باسم إِبْلِيْس، ولم يحمل أيٌّ من البشر رايتي." (ص 106)

لم يكن من السهل على نوح أن يصدِّق كلام إبليس ويركن له، لذا اتّخذ هيئة كلّ شعبٍ وهبط بينهم، ليكتشفَ الحقيقة المرّة، إذ "رأى قومًا استبدلوا الله بالأخلاق... وآخرين استبدلوه بالقانون... ورأى طقوسًا وعبادات تُمارَس بحُكم العادةِ وليس بغرض العبادة." (ص 109-110) فكان لا بدَّ من أن يُعيدَ التاريخُ نفسه، ويقوم نوح من جديد ببناء السفينة، لأنّ ما يجري على الأرض سيُغرق شعوبها في الطوفان مرّة أخرى لا محالة...وحصل ما كان متوقّعًا، فأغرق الطوفان الأرض برمّتها ومعها إبليس وهو ساجد!

ما لبثت الأرض الجديدة أن نهضت إلى الحياة،تستقبل أربعة أطفال من الإناث والذكور حملتهم الملائكة إلى السفينة... فما تراه يكون مصير البشريّة مع هذا الجيل الجديد، بعد رحيل إبليس عنها؟

الجواب في آخر مشهد من الرواية لمن يرغب في اكتشافه.

 

 


إرسال تعليق

أحدث أقدم