النباش - رواية الروائي الطبيب عمرو البدالي

 

النباش

رواية عمرو البدالي



رمقتُ الشمسَ وهي تتوارى خلفَ تلك السُّحب الرُّكامية المُنذرة بأمطار دانية.. وعلى الرغم من قُرب اختفائها فإن أشعتها المُتسللة خلف سحابٍ يُحاصرها أربكت عينيَّ، وأصابتهما بالوهن المؤقت، وكأن غشاءً أبيض رقيقًا يكسوهما.. تشوُّش يزول رُويدًا رُويدًا.. رجفاتٌ طفيفة تتسرَّبُ إليَّ بتلك اللحظات.. هواءٌ بارد يُحاصرُني وينتظر اللحظة المناسبة لافتراسي.. لحظة غياب الشمس كُليًّا.. التفتُّ حولي مُتسائلًا:

أين أنا؟ ما الذي أتى بي إلى هذا المكان؟
لا أتذكَّرُ أيَّ شيءٍ.. زحامٌ شديدٌ حولي.. أناسٌ صامتون.. وكأن على رؤوسهم الطير.. تفحصتُ ملامحهم.. وجوههم مُخيفة.. عيون جاحظة شاخصة، يتحركون باتجاهٍ واحد.. ذهاب بلا عودة.. أعدادٌ غفيرة لا حصر لها على مدى البصر.. يتصبَّب العَرَقُ من أجسادهم بغزارةٍ.. رائحتهم الممتزجة تملأُ أنفي.. ملابسهم مُبتلة.. حُفاة ينشع الدم من أقدامهم المتشققة.. وكنتُ مثلهم.. حافي القدمين متألمًا.. فالرمال تحتنا تمتلئُ بحصًى صغيرة كالسكاكين.. يبدو أنهم اعتادوا ذلك.. نظرتُ إليهم مُتعجبًا.. أناسٌ هَرِعُون، يقفز الذعر من عيونهم كهاربٍ من جحيم لا يُحتمل.. أحاولُ تذكُّر أيَّ شيءٍ فلا أستطيع.. شُلت ذاكرتي تمامًا.. أهذا يوم القيامة أم أنه مجرد كابوس مزعج؟ أتحرُّكُ معهم دون إرادتي.. موسيقا راقصة تصمُّ أذنيَّ.. مُمتزجة بتواشيح دينية.. وكأنه احتفال شعبي بمولد آل البيت.. ولكنني لا أرى أيَّ مسجدٍ عن قُرب.. ما هذا المكان العجيب الغارقة ملامحه بفيضان زِحامهم الشديد؟ يبدو أنها منطقةٌ صحراوية.. أدركتُ ذلك من جبلٍ شاهقٍ تختفي الشمسُ وراءه بتلك اللحظة.. وأرض رملية.. منطقة شاسعة الاتساع.. أُناسٌ على مدى البصر.. يدفعونني للأمام بإصرار شديد.. والعجيب أن هناك مسارح عُلوية نمُرُّ أسفلها عرضُها لا يتعدى الخمسة أمتار، ومُتكررة إلى ما لا نهاية، بينها مسافاتٌ عشوائيةٌ غير مُتساوية.. والأعجبُ أن كُلَّ مَنْ عليها نساءٌ عارياتٌ تمامًا.. يرقصن على أنغام الموسيقا.. أجسادٌ تتلألأ بآخر لحظات لغروب الشمس.. أراهنَّ دون أن يُحركن بي أي شهوة.. فهناك رهبةٌ شديدة تختلجُ لها حواسِّي.. قلبي شاخصٌ كعيونهم.. كتلك الوجوه المُحاصِرة لي.. لافتة عجيبة تقترب.. مكتوبٌ عليها: "المُتَّجِهُ إلى الموت يلزم اليسار".. ارتعش قلبي نافضًا كُلَّ دمائه بجسدي، صارخًا بأنه ما زال على قيد الحياة.. البردُ يُحاصِرُني وتزدادُ رجفاتي.. صرختُ بأحدهم:
- أين نحن؟ من أنتم؟

السعر 75 جنية

ISBN:978-977-786-145-8

إرسال تعليق

أحدث أقدم